حسن الأمين

14

مستدركات أعيان الشيعة

خان « قائد طليعة الفرسان . ومع أن « آقا محمد خان » لم يكن قد تجاوز يومئذ الثالثة عشرة من عمره فقد كان معدودا من أمهر الرماة في عسكر « محمد حسن خان » . لقد وضعت أمه « جيران » البندقية في يده في اليوم الذي أصبح فيه قادرا على الإمساك بالبندقية . كانت أمه أول معلم له . علمته الأبجدية وعلمته كيف يمسك بالقلم للكتابة . وعلمته سور القرآن القصار . كانت هي من رباه لا أبوه ، على خلاف المعهود في حياة العشائر البدوية ، إذ يكون الأب هو المربي . وكان « محمد حسن خان » دائم السفر أو الحرب فلم يقدر أن يتفرغ لتربية ولده هذا . يقول السائح [ الإنكلليزي ] الإنكليزي المحقق « فارستر » وقد جاء إلى إيران في تلك الحقبة ، في كتاب له : « كل ما كان في آقا محمد خان من الصفات الحسنة إنما اكتسبه من أمة جيران . وقد هياته هذه الأم ليكون ملكا . وقد حرصت كل الحرص على تبصيره بأصول الاقتصاد وتدبير المعاش » . ويقول ذلك المحقق الانكليزي أيضا : « كانت جيران زوجة محمد حسن خان قاجار أم آقا محمد خان من عظيمات نساء العالم . وليس لها نظير في تاريخ أوروبا . وقد تتفوق بعض الأوروبيات في بعض الأمور ولكنهن لم يبلغن ما بلغت إليه » جيران « من شمول التفوق . كانت جيران عالمة شجاعة صبورا بصيرة بأصول الاقتصاد . وقد تلقى آقا محمد خان من أمه كل صفاتها المفيدة . ولولاها لما بلغ محمد حسن خان إلى ما بلغ إليه من اقتدار ولا وصل آقا محمد خان إلى منصب الملك » . وحين بلغ « آقا محمد خان » الثانية عشرة من عمره أمرته أمه بان يصحب أباه دائما في سفره وحروبه ليتمرس بالحياة العملية التي أعدته لها . فانطلق مع أبيه كما أمرته . وقد تبين فيه أبوه الاستقامة والصبر على المتاعب والشجاعة وأنه ، على صغر سنه ، أهل للقيام باعمال عظيمة . ولذلك جعله قائد طليعة الفرسان حين سار من طهران قاصدا أصفهان ، لمحاربة « كريم خان زند » . وهذا المنصب ، في مثل هذا السفر الحربي ، إنما يعهد به في العادة إلى المجربين لما يقتضيه من دقة وسرعة خاطر ومعرفة وتجربة سابقتين . ولما قارب جيش « محمد حسن خان » أصفهان خرج إليه « كريم خان » بجيشه . وانتهت المعركة بانتصار « محمد حسن خان » ، وانهزام « كريم خان » فمضى عائدا إلى فارس . ودخل « محمد حسن خان » إلى أصفهان واحتلها ، وبذلك أصبح ملكا على إيران المركزية والايالات الشمالية : أسترآباد ومازندران وجيلان . حرب الملوك بعد هزيمة « كريم خان زند » هذه في سنة 1168 ه‍ . في أصفهان وعودته إلى شيراز أصبحت إيران ، ما عدا خراسان ، إلى بضع سنوات ميدان عراك بين ثلاثة ملوك ، « محمد حسن خان قاجار » و « كريم خان زند » و « آزاد شاه » الأفغاني ، وكان هذا قد سبق أن جاء من أذربيجان يغزو أصفهان واحتلها ، ثم طرده منها « كريم خان زند » ، فعاد إلى أذربيجان . وكان مجال الحرب بينهم يمتد من ساحل الخليج وبحر عمان أي ساحل بحر الخزر وأذربيجان وفي أيام هذه الحرب قتل مئات الألوف من فلاحي إيران في الايالات الجنوبية والمركزية والشمالية ، وبادت أسر كثيرة وخربت قصبات وقرى . وكان « كريم خان زند » وحده من بين هؤلاء الثلاثة يتجنب ما أمكنه التجنب إلحاق الأذى بالناس . أما الآخران فلم يكونا يحجمان عن جريمة ، أيا كان نوعها ، من قتل وتخريب ، من أجل الحصول على النصر ، ولو بإبادة الناس جميعا ! وحين كان « محمد حسن خان » وابنه الأكبر في أصفهان ، بعد هزيمة « كريم خان زند » غزا « أحمد شاه الأبدالي » ملك أفغانستان خراسان متظاهرا بأنه يريد تثبيت ملك « شاه رخ شاه » ، إذ كان « مجلس الشورى » الذي أقيم لمساعدته في الحكم ، قد استقل دونه بالحكم ولم يبق له من الملك غير العنوان . وقد سبق أن كان « أحمد شاه » هذا ضابطا في جيش « نادر شاه » وبعد مقتله عاد إلى أفغانستان ونصب نفسه ملكا عليها . وقد ادعى أنه يغزو خراسان لتثبيت ملك شاه رخ شاه « وفاء منه لجده » نادر شاه « والواقع أنه إنما جاء إليها ليسلب رؤساء العشائر الخراسانية ثرواتهم . ولذلك بادر أربعة من هؤلاء الرؤساء كانوا موضع أطماعه أكثر من غيرهم . إلى الفرار من وجهه . فروا بعشائرهم من خراسان إلى « أسترآباد » ليلجئوا إلى « محمد حسن خان قاجار أشاقة باش » . فلما وصلوا إلى « أسترآباد » كان « محمد حسن خان » لا يزال غائبا عنها . فتلقتهم زوجته « جيران » نائبته في الحكم وأكرمت مثواهم ، وعينت لهم أمكنة لسكنى عشائرهم أما « أحمد شاه الأبدالي » فقد كف يد « مجلس الشورى » وأطلق يد « شاه رخ شاه » في الحكم ثم عاد إلى بلاده ، وقد أفلت من كان يطمع بهم من يده . وحين وصل خبر الغزو الأفغاني لخراسان إلى محمد حسن خان « وهو في أصفهان كان الوضع في خراسان هادئا ، والعشائر الأربع المذكورة قد هاجرت إلى » أسترآباد « . وفي ذلك الحين وصل إلى « محمد حسن خان » خبر آخر بان « آزاد شاه » الأفغاني يقصد غزو « جيلان » . فأقام أحد أمراء القاجاريين من طائفة « دولو » اسمه « محمد حسين خان قاجار دولو » حاكما على أصفهان ، وأوصاه بالتشدد في محاربة « كريم خان زند » إذا حدثته نفسه بغزو أصفهان . ثم سار وابنه الأكبر « آقا محمد خان » إلى طهران ، وابنه هذا على قيادة طليعة الفرسان . ومن طهران سارا إلى قزوين يتعقبان « آزاد شاه » الأفغاني . إلا أنهما أضاعا أثره وخفي عليهما مكانه . فقد كانت خطة هذا المتمرد هي الخطة المعروفة اليوم بحرب العصابات . يضرب حيث يتمكن من الضرب . فإذا ضويق فر إلى مكان آمن . وقد جهد « محمد حسن خان » في تعقبه إلى آخر حياته فلم يتمكن منه . وظل يغير وينهب ويقتل ويفر من مكان إلى مكان إلى أن قتل « محمد حسن خان » سنة 1172 هواستتب الأمر ل « كريم خان زند » . واستمرت الحرب سجالا بين « محمد حسن خان » و « كريم خان » من سنة 1168 ه‍ . إلى سنة 1172 هوهما يتداولان المدن ، ولا سيما المدن المركزية ، تارة بيد هذا وتارة بيد هذا . وفي سنوات تلك الحرب كلها كان « آقا محمد خان » يلازم أباه دائما . ومع أن العسكريين قلما يرغبون في الكتاب فان « آقا محمد خان » كان يحمل معه في الحرب بضعة كتب يطالعها في المساء إذا أوى إلى فراشه . وهي عادة غرستها فيه أمه « جيران » . فكان لا يستطيع مفارقة الكتب . وبعد أن وصل إلى منصب الملك ظل هذا دأبه . حتى إنه في